مساهمة العوامل الوراثية في حدوث الاضطرابات النفسية الجسدية
دور الاستعداد الجيني هو أن بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بهذا النوع من الاضطرابات مقارنة بغيرهم، وهذا يظهر في شكل أعراض جسدية ناتجة عن عوامل نفسية. تؤكد الأبحاث الحديثة في علم الوراثة السلوكية والطب النفسي أن الجينات لا تحدد فقط حدوث الاضطراب، بل تساهم أيضا في تكوين البنية البيولوجية للأنظمة العصبية والغدد الصماء والمناعة، مما يسبب استجابات مختلفة للضغط النفسي. على سبيل المثال، قد يزيد التاريخ العائلي من اضطرابات القلق أو الاكتئاب أو بعض الأمراض المزمنة من احتمال تطور الأعراض النفسية الجسدية لدى الأطفال. قد يكون ذلك بسبب انتقال أنماط معينة من تنظيم الهرمونات العصبية أو تنشيط مفرط للجهاز العصبي الذاتي. تشير بعض الدراسات أيضا إلى أن التنوع الجيني في الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، أو الجينات المرتبطة بمحور تحت المهاد-الغدة النخامية-الغدة الكظرية (محور HPA)، قد يساهم في زيادة الحساسية للتوتر وزيادة الاستجابات الجسدية له. ومع ذلك، لا يعتبر مساهمة العوامل الجينية أمرا حتميا أو مطلقا. تلعب بيئة الأسرة، وأنماط التنشئة الاجتماعية، وتجارب الحياة المبكرة، وآليات التكيف الفردية دورا معدلا يمكن أن يعزز أو يضعف تأثير الاستعداد الجيني. وبناء عليه، يمكن القول إن مساهمة العوامل الوراثية في حدوث الاضطرابات النفسية الجسدية كبيرة، لكنها ليست الوحيدة. تعمل في تفاعل معقد مع عوامل نفسية واجتماعية وبيئية. وهذا يجعل هذه الاضطرابات نتيجة لشبكة مترابطة من المحفزات لا يمكن تفسيرها بسبب، بل بدمج نمط وراثي وظروف مكتسبة.