Blog Details

الفم الكبير: لماذا تُعدّ النميمة قوة تطورية خارقة

The Big Mouth Why Gossip Is an Evolutionary Superpower

“هل سمعت ما حدث…؟” — وفجأة يمر نصف ساعة وأنت تتحدث عن شؤون شخص آخر. يبدو الأمر مألوفًا، أليس كذلك؟ لا تتسرّع في الحكم على نفسك. فالعلم طالما اشتبه في أن عادة النميمة تخفي وراءها شيئًا أعمق بكثير من مجرد تضييع للوقت.

القرود تنظّف الفراء — والبشر ينظّفون العلاقات بالكلام

طرح عالم الأنثروبولوجيا في جامعة أكسفورد روبن دنبار فرضية طريفة مفادها أن النميمة هي «تنظيف اجتماعي بالكلام». فبين الرئيسيات، تُعزَّز الروابط الاجتماعية عبر تنظيف الفراء المتبادل؛ إذ يؤدي هذا الاحتكاك الجسدي إلى إفراز الإندورفين وتعزيز الشعور بالقرب. لكن مع ازدياد حجم المجتمعات البشرية، أصبح من المستحيل على كل فرد أن يحافظ على هذا النوع من التواصل الجسدي مع جميع معارفه. وهنا جاء الحل التطوري الأنيق: اللغة. فقد حلّ تبادل المعلومات الاجتماعية — أي النميمة — محلّ التنظيف الجسدي، مما مكّن البشر من الحفاظ على شبكات اجتماعية تضم مئات الأشخاص في الوقت نفسه. ووفقًا لدنبار، قد تكون الحاجة إلى النميمة أحد العوامل الرئيسية التي دفعت أصلًا إلى تطور اللغة البشرية.

دماغ النميمة… دماغ يُكافأ

هذا ليس مجازًا. فقد أظهرت دراسة أجراها رودنيكي وزملاؤه ونُشرت في مجلة Scientific Reports عام 2023 أن الحديث عن الآخرين ينشّط نظام المكافأة في الدماغ ويحفّز إفراز الأوكسيتوسين، المعروف بـ«هرمون الترابط». بمعنى آخر، عندما تهمس لصديقك بشأن أحد الزملاء، فإن دماغك يشعر حرفيًا بالمتعة. ولم تكافئنا الطبيعة التطورية على هذا السلوك عبثًا. ففي دراسات تصوير الدماغ، أظهر المشاركون الذين استمعوا إلى نميمة تتعلق بأنفسهم أو بأصدقائهم أو بالمشاهير نشاطًا في القشرة الجبهية الأمامية — وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة المواقف الاجتماعية المعقّدة والتفكير الذاتي — مما يشير إلى أن النميمة تتيح لنا التعلّم بشكل غير مباشر من تجارب الآخرين.

النميمة كأداة للعدالة الاجتماعية

ثمة وظيفة أخرى أقلّ تداولًا. فقد كشفت دراسة نمذجة واسعة النطاق نُشرت في مجلة PNAS عام 2024 أن النميمة تؤدي دورًا فيما يُعرف بـ«الرقابة السمعةية»؛ أي نشر المعلومات عن الأشخاص الذين ينتهكون معايير الجماعة، مما يحدّ من السلوك الأناني داخل المجتمع. ببساطة، عندما تنتشر شائعة عن شخص غشّ أو خدع الآخرين، فالأمر ليس مجرد حديث عابر، بل هو آلية تنظيم اجتماعي. إذ يضبط الناس سلوكهم وهم مدركون أنهم قد يصبحون موضوعًا للحديث، فتتحول السمعة إلى شكل غير مرئي من أشكال الضبط الاجتماعي.

ليست النميمة دليلًا على سوء التربية، ولا هي ضعفًا نسائيًا — فالدرسات تشير إلى أن الرجال يمارسونها بقدر ما تفعل النساء. إنها أداة اجتماعية قديمة: تبني الثقة، وتنظم سلوك الجماعات، وتمنح الدماغ مصدرًا حقيقيًا للمتعة.لذا، في المرة القادمة التي تجد نفسك تتحدث عن شؤون شخص آخر، يمكنك أن تقول بثقة:
«أنا ببساطة أمارس التنظيف الاجتماعي بالكلام وأحاول فهم العالم المعقد للعلاقات الإنسانية».

شارك بجائزة القاموس الإماراتي الروسي

قدم مقالة أو ورقة بحثية وشارك بجائزة القاموس الإماراتي الروسي بقيمة تصل إلى 5000 دولار أمريكي

شارك الأن