Blog Details

الأسس النظرية لمفهوم المرونة المهنية

تتسم الأنشطة المهنية المعاصرة بدرجة عالية من الكثافة وبأعباء فكرية وانفعالية كبيرة، مما يجعل مسألة الحفاظ على القدرة على العمل والصحة النفسية للمتخصص مسألة بالغة الأهمية. وفي هذا السياق، تُعد المرونة المهنية من السمات الأساسية للشخصية، إذ تضمن تحقيق الذات المهنية والاستمرارية المهنية على المدى الطويل، كما تسهم في الوقاية من تطور الاحتراق الوظيفي. ويؤكد إدراج الاحتراق الوظيفي ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) على ضرورة تنمية الصفات الداعمة للمرونة المهنية بشكل هادف منذ مرحلة الإعداد المهني.

وعلى الرغم من الاهتمام الواسع بدراسة المرونة المهنية، فإن تحديد مفهومها، وطبيعتها، وبنيتها، ووظائفها لا يزال محل نقاش علمي. ويُظهر تحليل الأدبيات العلمية وجود تنوع في المقاربات النظرية والمنهجية لفهم المرونة المهنية.

وتُفهم المرونة المهنية عادة بوصفها خاصية تكاملية في الشخصية تُمكّن المتخصص من الحفاظ على مستوى مرتفع من أداء الوظائف المهنية لفترة طويلة، رغم تأثير العوامل السلبية والضغوط. وتضمن هذه الخاصية استقرار الأداء في الظروف المعقدة وغير النمطية، بوصفها موردًا شخصيًا منظمًا لبنية الشخصية.

وتطرح المدرسة النفسية الروسية عدة مقاربات نظرية لتفسير هذا المفهوم. فقد اعتبر ك. ك. بلاتونوف المرونة المهنية خاصية شخصية تضفي على التوجه المهني سمات الشدة والفاعلية والاستقرار، مُشكّلة ما يُعرف بـ«الهيمنة العمالية». في حين يركز باحثون آخرون إما على الصفات الأخلاقية والبدنية التي تُمكّن من تحييد العوامل السلبية للنشاط المهني (أو. ف. رجاننيكوفا)، أو على قدرة المتخصص على الحفاظ على إمكاناته المهنية في ظل تغير ظروف العمل، وكذلك على استمرارية الاهتمام بالعمل في المكان نفسه لفترة زمنية طويلة (ف. أ. كوتشر).

وفي عدد من الدراسات، تُفسَّر المرونة المهنية بوصفها بناءً تكامليًا يشمل المعارف والمهارات والقدرات، إضافة إلى المكونات الدافعية والانفعالية-الإرادية والتأملية، بما يضمن فاعلية النشاط المهني مع الحفاظ على القدرة على العمل والاهتمام بالمهنة. وتُوصف بنية المرونة المهنية من خلال مكونات انفعالية، ودافعية، ومعرفية، وإرادية، وتواصلية، وتنظيمية-تأملية. ويُعد الجانبان الانفعالي والتنظيمي محورين أساسيين، إذ يحددان طبيعة سلوك المتخصص في المواقف الضاغطة وقدرته العامة على التنظيم الذاتي.

ولا تُعد المرونة المهنية بناءً ثابتًا، بل تخضع لتغيرات ديناميكية تحت تأثير عوامل متعددة. فقد تتعزز خلال مسار التكوين المهني وتراكم الخبرة، وقد تتراجع تحت تأثير ظروف العمل غير الملائمة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى الاحتراق الوظيفي. ويشير ذلك إلى ضرورة إيلاء اهتمام مستمر بالحفاظ على المرونة المهنية وتنميتها في جميع مراحل المسار المهني.

شارك بجائزة القاموس الإماراتي الروسي

قدم مقالة أو ورقة بحثية وشارك بجائزة القاموس الإماراتي الروسي بقيمة تصل إلى 5000 دولار أمريكي

شارك الأن