الاستعانة العاطفية الخارجية: لماذا يفوّض الناس مشاعرهم بشكل متزايد إلى التطبيقات والذكاء الاصطناعي والمحتوى العلاجي؟

تتغلغل التقنيات الرقمية بصورة متزايدة في الجانب العاطفي من حياة الإنسان. ففي الوقت الحاضر، يناقش كثير من الناس مشاعرهم ليس مع الأصدقاء أو أفراد العائلة، بل مع روبوتات الدردشة، وتطبيقات الصحة النفسية، والمدربين الشخصيين، والمحتوى العلاجي المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن وصف هذه الظاهرة بـ “الاستعانة العاطفية الخارجية”، أي تفويض جزء من الجهد العاطفي للفرد إلى وسطاء رقميين أو مهنيين خارجيين.
ترتبط شعبية هذه الظاهرة بتسارع وتيرة الحياة، وزيادة الحمل المعلوماتي، وتغير طبيعة التواصل الإنساني. فالفرد المعاصر بات يعاني بشكل متزايد من الشعور بالوحدة العاطفية رغم حضوره الدائم على الإنترنت. ويشير الباحثون إلى أن البيئة الرقمية توسّع في الوقت نفسه فرص التواصل، لكنها قد تعمّق أيضًا مشاعر الاغتراب والعزلة.
ومن العوامل الرئيسية التي أسهمت في انتشار الاستعانة العاطفية الخارجية تطور مفهوم التعاطف الرقمي. إذ يحصل المستخدمون على الدعم العاطفي من خلال تطبيقات التأمل والاسترخاء، ومساعدات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو التحفيزية، وخدمات العلاج النفسي عبر الإنترنت. ويعتبر كثير من الأشخاص هذه الوسائل أكثر أمانًا نفسيًا، لأن الذكاء الاصطناعي لا يصدر أحكامًا مسبقة، كما أن التفاعل الرقمي يقلل من الخوف من تقييم الآخرين أو انتقادهم.
وتؤكد الدراسات المعاصرة أن الرقمنة تعيد تشكيل أساليب تنظيم المشاعر وإدارتها. وقد ظهرت مفاهيم جديدة مثل الذكاء العاطفي الرقمي، والتعاطف الرقمي، وتنظيم المشاعر الرقمي. ويشير الباحثون إلى أن التقنيات الرقمية يمكن أن تساعد الأفراد على إدارة عواطفهم، وتقليل مستويات القلق، وتنمية مهارات التأمل الذاتي وفهم النفس.
ومع ذلك، فإن الاستعانة العاطفية الخارجية تحمل نتائج متناقضة. فمن ناحية، أصبح الحصول على الدعم النفسي أسرع وأكثر سهولة، وأصبحت خدمات المساندة النفسية متاحة لشرائح أوسع من المجتمع. ومن ناحية أخرى، هناك خطر يتمثل في تراجع القدرة على بناء تواصل عاطفي مباشر وحقيقي مع الآخرين. وتشير الأبحاث إلى أن التواصل الرقمي غالبًا ما يستبدل الحميمية الإنسانية العميقة بردود فعل رمزية، مثل الرموز التعبيرية، والرسائل القصيرة، والمحتوى الذي تختاره الخوارزميات.
علاوة على ذلك، قد يؤدي الاعتماد المستمر على المساعدات الرقمية إلى تعزيز الاعتماد على مصادر خارجية لتنظيم المشاعر. فبدلًا من البحث عن إجابات لمشاعرهم داخل ذواتهم أو من خلال التفاعل الإنساني المباشر، يبدأ الأفراد في الاعتماد على توصيات الخوارزميات. ويظهر هذا الاتجاه بشكل خاص لدى أفراد الجيل زد، الذين نشؤوا في بيئة تتسم بالحضور الرقمي الدائم.
ومن اللافت أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يعزز هذه العملية. فأنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة أصبحت قادرة على التعرف على الحالات العاطفية للمستخدمين، واختيار عبارات داعمة، بل وحتى محاكاة التعاطف. وعلى الرغم من غياب المشاعر الحقيقية لدى هذه الأنظمة، فإن كثيرًا من الأشخاص يجدون هذا النوع من التفاعل مريحًا من الناحية النفسية.
وبذلك، أصبحت الاستعانة العاطفية الخارجية نتيجة طبيعية لرقمنة المجتمع. فالناس يفوضون جزءًا متزايدًا من احتياجاتهم العاطفية إلى التطبيقات والذكاء الاصطناعي والمحتوى العلاجي لأنه سريع وسهل الوصول ويوفر شعورًا بالأمان النفسي. غير أن هذه الممارسات تعيد تشكيل طبيعة العلاقات الإنسانية المباشرة ومعنى الحميمية العاطفية. ومن المرجح أن يتمثل التحدي الأساسي في المستقبل في إيجاد توازن بين الدعم الرقمي والحفاظ على التواصل الإنساني الأصيل وجهًا لوجه.