Blog Details

هل نحب وفق سيناريوهات الطفولة؟ كيف تؤثر أنماط التعلّق في العلاقات في مرحلة البلوغ

تبدو العلاقات العاطفية غالبًا وكأنها مسألة تتعلق بالشخصية أو الصدفة أو “الكيمياء” بين الأفراد، غير أن علم نفس التعلّق يقدّم تفسيرًا أكثر دقة. فوفقًا لنظرية جون بولبي، تتشكل في العلاقات المبكرة مع مقدّمي الرعاية ما يُعرف بالنماذج الداخلية العاملة: وهي توقعات حول مدى إمكانية الاعتماد على الآخرين، وما إذا كنا نستحق الحب، وكيف تنتهي عادةً علاقات القرب العاطفي.

في مرحلة البلوغ، لا تُنسخ هذه الأنماط بشكل حرفي، لكنها تؤثر بشكل ملحوظ في الصداقات والعلاقات العاطفية، وفي كيفية التعامل مع الخلافات.

وقد أظهرت الدراسة الكلاسيكية لكل من سيندي هازان وفيليب شيفر أن الحب الرومانسي يعمل إلى حدّ كبير كنظام تعلّق: حيث يصبح الشريك مصدرًا للأمان نلجأ إليه في أوقات التوتر، وبجواره يصبح التعافي أسهل. ومن هذه الفكرة نشأت التصنيفات الشائعة لأنماط التعلّق لدى البالغين.

إلا أن علم النفس المعاصر يميل إلى الابتعاد عن التصنيفات الجامدة، ويركّز بدلًا من ذلك على بُعدين أساسيين: القلق في التعلّق والتجنّب. وغالبًا ما يشير انخفاض هذين البعدين إلى نمط تعلّق آمن. فالشخص ذو التعلّق الآمن يكون عادةً قادرًا على الجمع بين القرب العاطفي والاستقلالية: يطلب الدعم بسهولة، ولا يرى الخلاف ككارثة، ويعود إلى الحوار بسرعة بعد النزاعات.

عندما يكون القلق مرتفعًا، يصعب على الفرد الإيمان باستقرار العلاقة: إذ يزداد خوفه من المسافة، ويكون أكثر حساسية لإشارات الرفض، ويبحث عن الطمأنة بشكل متكرر، وقد يختبر العلاقة باستمرار لقياس درجة القرب. أما عندما يكون التجنّب مرتفعًا، فقد تُفسَّر الحميمية كتهديد للاستقلالية: فيميل الفرد إلى الانسحاب، أو الصمت، أو عقلنة مشاعره، والاعتماد المفرط على الذات.

وقد قدّم نموذج بارثولوميو وهوروفيتز تصورًا أكثر تفصيلًا لأنماط التعلّق، من خلال أربعة أنماط: الآمن، القَلِق-المنشغل، المتجنّب الرافض، والمتجنّب الخائف، وذلك بناءً على صورة الفرد عن نفسه وعن الآخرين.

ومع ذلك، من المهم عدم اعتبار نمط التعلّق حكمًا نهائيًا. تشير الدراسات إلى أن التعلّق يتمتع بدرجة متوسطة من الاستقرار، ويمكن أن يتغير من خلال الخبرات الجديدة، والعلاقات الداعمة، والعلاج النفسي، وتنمية مهارات التنظيم الذاتي.

لذلك، فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس: “ما هو نمط تعلّقي؟”  بل: “كيف أتصرف في القرب عندما أشعر بالخوف، وما الذي يمكنني تعلّمه لأتصرف بشكل مختلف؟”

إن النظرة العلمية للتعلّق لا تنزع الطابع الرومانسي عن العلاقات، بل تجعلها أكثر قابلية للفهم: فالحب ليس مجرد شعور قوي، بل هو أيضًا وسيلة للبحث عن الأمان، والحفاظ على الاستقلالية، وبناء الثقة تدريجيًا.

شارك بجائزة القاموس الإماراتي الروسي

قدم مقالة أو ورقة بحثية وشارك بجائزة القاموس الإماراتي الروسي بقيمة تصل إلى 5000 دولار أمريكي

شارك الأن